post thumbnail

تعلم أي لغة جديدة عند الكبر ليس باليسير، وخصوصا عندما نقصد اللغة الإنجليزية. ولا أقصد هنا محاولات التفهيم على اساس أنها قدرة على التحدث، بل حين يكون المراد تعلمها أكاديميا حيث وجوب الألمام ليس بأزمنة القواعد فقط، بل أيضا بسيطه والمستمر وتمامه وتمام المستمر(!!)، وليس في كتابة موضوع من دون تكرار (and) عشرات المرات في نفس الصفحة، بل أيضا تقسيم الموضوع إلى فقرات مع مقدمة وخاتمة (!!)، أضافة إلى هجاء تكتب وحروف تنطق ولا تكتب، توليفات غريبة من الأصوات، ومترادفات، وأختصارات دولية وقياسية و..الخ. في كثير من الأحيان، قد يبدو أن التقدم لا يحصل بشكل محسوس بالرغم من الساعات التي يقضيها الطالب في الصف تركيزا ومشاركتا، وكل الجد والأجتهاد المستمر في أداء الواجبات المنزلية وأستخدام الكلمات المتعلمة حديثا، وجميع المحاولات الإبتكارية لنطق الكلمات أو فهم ترتيب أحرفها اللاتينية (ومن منا لم يكتب بالعربية كيف يمكن نطق بعض الكلمات الإنجليزية!؟). بالتأكيد يتعلم الطالب في معهد اللغة، كلمات جديدة وعبارات متعارف عليها، وقدرته في التعرف على كلمات حين السماع أو بالقراءة تتحسن، ولكن كل ذلك لا يشفع له عند أول تجربة لحضور محاضرة جامعية بوجود أساتذة تشرح بصورة وصوت طبيعيين، وليس كأساتذة معاهد اللغة اللذين يتكلمون ببطأ ويتأكدوا من أنك أستوعبت. خضت التجربة وشعرت بالأحباط مرات ومرات، لكن أيضا أتذكر المواقف التي حولت الجهود المبذولة بالعزيمة والإصرار إلى نجاح، والحمد الله.

أول موقف حصل لي كان بعد وصولي للولايات المتحدة بأربعة أسابيع، حيث وصلت بكبرياء مزيف من أني على مستوى أكثر من جيد باللغة الإنجليزية لأني لم أدرسها خلال سنوات الثانوية الثلاث فقط (وعلاماتي كانت أكثر من 95%)، بل كذلك تدربت خلال فترات الصيف في معاهد اللغة المحلية لتوفير النفقات المالية على عاتق والدي رحمه الله عليه. ظهرا، أنتهيت من برنامج اليوم الأول لوصول الطلاب الجدد، وكحال الكثيرين، أتبعت نصيحة إدارة المعهد بالذهاب إلى مطعم الجامعة حيث سيتواجد معظم الطلاب العرب.

ياللفرحة الكبرى، أنتهى فصل الوحدة ولوعة الفراق وعهد الأغتراب حتى من قبل أن يبدأ حقا، وزفت التباشير الأولية لمسلسل من التعارف والترفيه والتنزهة واللعب و.. أي نقلت من دون وعي طريقة حياتي نفسها إلى بلاد الغربة بصحبة الأحبة الجدد، حتى أن من كرمهم، كانوا يتدافعوا لكي يطلبوا وجبات الطعام لي في المطاعم. أربعة أسابيع، وتعودت أن أسمع اللغة الإنجليزية، وأبتسم من دون نطق كلمة واحدة خوفا من الوقوع بالخطأ والأحراج أمام الأحبة الكرام إلا أن جاء مساء أحد (وأطلقت عليه لاحقا؛ يوم الخلاص)، بعد لعب كرة قدم لفترة طويلة، وصلنا المطعم بسرعة والجميع ينهكه الجوع والعطش وكأنا في حال صيام بيوم شديد الحرارة. كل الأحبة، الواحد بعد الأخر، أهتم في معدته الخاوية، وحالي أما أكتفي بالنظر أو تحاول أستجداء أحدهم ليطلب لي الطعام. شعرت حينها أن الكرام أصبحوا ملعونيين، وغضبت عليهم، وصرخت في وجوههم، وشتمت، و.. من ثم ذهبت أطلب الطعام، وحدي ولنفسي.

أكنت أعيش حلما أم واقعا؟

أفعلا بتلك البساطة والسهولة تنساب الكلمات من فمي!؟

مختصر الكلام، رجعت إلى الأحبة لصافحهم واحد واحد مع التقبيل لأنهم علموني، ومن دون دراية منهم أو قصد، أهم وأول خطوة للتعلم في بلاد الأغتراب: على الطالب، الأعتماد على نفسه بالتطبيق والتجريب والمحاولة والإعتياد بدون كلل أو ملل.

بدأت مرحلة جديدة من الوعي والأدراك، كما خيل لي. لم أكتفي خلالها بتعليم المعهد فقط، بل درست من الصباح الباكر، درست وأنا بالباص، حاولت أن أفهم كل إعلان رأيته بالطريق أو على اللوحات المنتشرة في المعهد، أعددت قوائم بالكلمات التي أعرفها وأشتقت منها الأفعال والصفات والأحوال والجزيئات، أشتريت الكتب واشرطة وأسطوانات أختبار التوفل (لم يكن متوفر حينها الأقراص المدمجة)، حرصت على التعرف والتحدث مع كل من أصادفه أمامي، شاهدت التلفزيون، واستمعت إلى الراديو.. ورغم كل ذلك، نعم أشعر بحالي أني أتحسن بعد شهور ثلاث، لكن التقدم بطيء جدا؛ حيث لا زال كلامهم سريع على أذني لأستوعبه، ويدي مكبلة لا يمكنها أن تخط مقال صفحة إلأ خلال أيام ومحاولات عدة. أحباط من بعد كل هذا التعب، أحراج ومعظم الأحبة من حولي أكثر ثقة وطلاقة (وأن كان معظهم وصلوا قبلي بفترات)، وأقتربت جدا من حالة اليأس بعد وصول نتيجة أختبار التوفل 397، في حين كان الحد الأدنى المطلوب هو 500، في ذلك الزمن.

الموقف الثاني، حدث بذات الوقت تقريبا. كنت أتناول سندويتش العشاء (سمك مع البطاطس) في مطعم البرجر كنج الواقع على شارع ألبرت بمدينة تشارلوت التابعة لولاية نورث كارولانيا. كنت أنظر من النافذة إلى منظر الغروب جميل سارحا بذهني (ولا أتذكر بماذا) معطي ظهري وغير عابىء بمن حولي على الأطلاق. فجأة، يد طفلة لا تتجاوز العشر السنوات تلامس ظهري لاشعوريا وهي خارجة من المطعو وتتحدث مع والدتها: "لقد صدقت الوعد بأصحابك لي على العشاء والآيس كريم، شكرا جزيلا ياماما أنا جدا ممنونة". تلفت خلفي، ورأيت شخصين يغادروا طاولتهم تاركين صحيفة (Charlotte Observer) على الطاولة وعنوان الصفحة العريض يقرأ: " درجات الحرارة تعود الى طبيعتها في تشارلوت". أسمع على الراديو بعد الانتهاء من أغنية، المذيع يقدم النشرة الجوية، وبدأ بعدها يتحدث مع أحد الضيوف عن أحدث الأفلام المعروضة في صالات السينما بالمدينة.

وضعت المعطف على كتفي، والتقطت حقيبة كتبي وخرجت من المطعم نحو موقف الباص. في طريقي، مر إلى يساري رجل عجوز يسأل صاحب محل عن توفر قياس لزوج من الأحذية يشير عليه. وهنا أمرأة توجه أخرى للوصول إلى عيادة أسنان. وهناك يافطة على محل تعلن عن تخفيض للأسعار يصل إلى نصف السعر. وأرى ضابط مرور يحذر مشاة من قطع الطريق قبل تحول الأشارة للسماح بالعبور. وحين أستخرجت بطاقة التخفيض الخاصة بالطلاب متهيئا لوصول باصي الذي لاح من مساقة قريبة، تجمدت عن الحراك كليا. أدركت أن شيئا قد تغير فيني. فلقد فهمت كل ما دار حولي من دون أي محاولة أو جهد أو تركيز. الكلمات التي كنت أسمعها بسرعة الصاروخ، والكثير منها كان يهيىء لي قبل الآن أنها بلغة الجبرش الغريبة، أصبح لها معنى وأن لم أعرف كل كلمة بشكل دقيق، ولكن فهمت وأستوعبت.

كنت متحمس، وأنا أمام الباص الذي توقف أمامي والابتسامة تعلو محياي، وبصعوبة بالغة أمنع نفسي من الرغبة في القفز صعودا وهبوطا ورافعا يداي للأعلى إعلانا للفوز والأنتصار (كم كنت سأبدوا غريبا لو فعلتها أو قد يقودوني إلى وقتها لمستشفى المجانين). قفزت صعودا للباص، عائدا بحماسة إلى تعلمي للغة الإنجليزية. تسابقت للقاء الأحبة في اليوم التالي لأخبرهم عن أكتشاف الذات الجديد، وطلبت منهم عدم مخاطبتي بغير اللغة الإنجليزية. شعرت بالثقة تحوطني والسعادة تغمري ذلك الصباح ويدي من دون أرتجاف تسجل لأختبار توفل جديد موعده بعد شهر واحد. وأقرأ نتيجة الأختبار، بعد فترة ليست بالطويلة، ودرجتي أتخذت قفزة عملاقة وتصبح: 555

العبرة، وأتصور أن الكثير عايش مواقف مماثلة حين تعلم اللغة الإنجليزية، أو أي شيء آخر في الحياة، أن السعي الدؤوب وتواصل المحاولة والمثابرة ستوصلك إلى ما تطمح له لا مناصة. فقط على المرء أن يتذكر أن التعلم والتقدم لا يقاس على أنه خط مستوي بياني، بدلا من ذلك، أنه يأتي على جرعات من المعرفة والفهم ورشقات من التقدم والتطور مع مرور الوقت.. مصداقا لقوله تعالى (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) 105/ التوبة.

أضف تعليق

الرجول للخلف